بواسطة: ابراهيم بتاريخ : الثلاثاء 07-07-2009 03:44 صباحا
كثيراً ما تطرأ أو ترسخ ظاهرة ما ، لمدة تطول أو تقصر، تبعاً لجملة من الظروف والمتغيرات التي تتحكم فيها؛ وقد لا تعبر هذه الظاهرة – بالضرورة – عن واقع مجتمع ما بنواحيه الفكرية والثقافية والفنية منفردة أو مجتمعة، إذ يحدث أن تتأثر المجتمعات بما يمكن تسميته "عقلية العصر" أو "ذهنية العصر"، والتي تحكم العالم في معظمه، وهو ما يمكننا تسميته "ظاهرة العولمة"؛
إن سيطرة "الفكر العولمي" –إذا صحت التسمية- قد جعل من العالم قريةً صغيرةً، يسهل أن يصدر إليه ما يريده من "الأنماط" الثقافية وتقع هذه المجتمعات فريسةً لها، إذ يكفي أن نشاهد ما تبثه الفضائيات مرات محدودة، حتى تتفشى ظاهرة ما بشكل كبير، وبخاصة في مجتمعاتنا العربية الهشة، التي انفتحت على العالم الغربي بشكل فوضوي وغير منضبط.أو الفكرية أو الفنية، بعد أن أحكم سيطرته على العالم اقتصادياً؛ وكمثال على ذلك، نشهد اليوم ومنذ زمن، موجات فنية موسيقية، أخذت نمطاً محدداً، وسادت في مجتمعاتنا بصورة قدرية لا يمكن الهروب منها، فأنت محكوم بها في كل مكان؛ في البيوت، أو في حفل موسيقي، أو مناسبة أفراح، أو رحلة، أو حافلة، أو سيارة أجرة، أو شارع تجاري، الخ...؛ أنت تُسمَعُ هذه الأغاني الرائجة رغماً عن أنفك، لا بإرادتك، وباختيارك، هذا على المستوى الداخلي كمنتوج فني وطني، يعتمد ذات التقنيات التي نستوردها من الغرب، لاستغلال الناس، وابتزازهم، وتفريغ جيوبهم.!؟ أما المنتوج الثقافي الغربي، فليس أسهل من أن نتلقفه عبر منظومة العولمة: الأنترنت- التلفزيون- أقراص الCD) ) أو ال (DVD)- أجهزة الاتصال الخلوية، إذ يمكن للمرء أن يشاهد كماً هائلاً من هذه المنتوجات التي لا فائدة منها، ولا هدف لها إلا الربح المادي، وتصدير منظومات قيمية وفكرية غايةً في الإسفاف والانحدار، تفعل فعلها السلبي والهادم في الإنسان، مستغلةً إياه أبشع استغلال، فتشل عقله، وتهمشه، وتشيؤه، ليسهل قياده، والتحكم به.إن الفن لا يستطيع أن يتخلص من سياسة "التشييء" التي قامت؛ وتقوم بها الرأسمالية ضد جميع القيم الإنسانية والأخلاقية. لقد بتنا نرى على شاشاتنا الفضائية منذ سنوات مضت، وبشكل مضطرد، جميع أشكال الانحطاط الفني، وأبشع أشكال استغلال الجسد الإنساني، كمادة مثيرة للغرائز والشهوات التي لا تحترم هذا الجسد، وفقد الفن دوره في أن يكون معبراً عن قضايا الشعوب، أو تعبيراً عن حالات جمالية للعقل والروح الإنسانيين، وأصبحنا أمام أنماط – يسمونها فنية - بعيدة كل البعد عن حقيقة مخزوننا الثقافي والفكري، وذاكرتنا الثقافية الموروثة التي تحمل سمات إنسانية متقدمة، في المجالات كافةً. إن الأجيال التي سبقتنا، لا تستسيغ سماع مثل هذه الأنماط، وتستهجنها، وكثيراً ما اسمع ممن هم اكبر مني سناً عبارات تعبر عن مدى الحرقة والألم لما يرونه ويسمعونه هم وأولادهم وأحفادهم في كل مكان، فهذه عمتي تقول لي:" شيلوا ها الأصوات، انصرعنا ولو!."، نعم معها حق، فهي وجيلها ومن تلاهم أو سبقهم، تربوا على سماع فيروز – أم كلثوم – السيد درويش – صباح فخري – وديع الصافي – الشيخ إمام – وسواهم من أجيال المطربين الذين رحلوا، ففرغت الساحات للزاعقين المطبلين المزمرين ليصموا آذان الأجيال الحالية بما لا يطاق.؟ فكيف يمكن لهؤلاء أن يتحملوا هذه الأنماط الحديثة المشوهة. ؟. وإذا كان الفن تعبيراً عن المجتمع في سائر أحواله وتقلباته وهمومه وقضاياه، فما هذا الذي نسمعه اليوم تحت عناوين ومسميات بعيدة كل البعد عن مضامينها، خداعاً للناس وتضليلاً لهم، وأكثرها شيوعاً عنوان " الثقافة الشعبية" ؟ . إن الفن هو التعبير الأسمى عن واقع المجتمع، فهل يعبر هذا الفن الذي نشهده هذه الأيام عنا، عن همومنا، وآلامنا، وطموحاتنا، وآمالنا في بناء عالم أجمل ؟. وهل يعبر هذا الفن عنا أصدق تعبير، ويشكل الملمس المحسوس لمخزوننا الثقافي والفكري وتراثنا الحضاري الإنساني.؟. أسئلة أضعها بين أيدي الجميع. إن الانفتاح الذي شهدته المنطقة العربية منذ بضع سنوات، جعلت رؤوس الأموال تتجه نحو الاستثمار، متأثرة بأدبيات الرأسمالية، مستغلة أموالها بهدف الربح السريع والكبير، وبأية طريقة من الطرق، فاستباحت الجسد والقيم، كاشفةً عن وجهها المادي الأحادي الجانب، وبدأت الشركات التي تتكاثر كإناث الأرانب تتبارى في هذا المجال، مدعيةً تقديم ما يسمى ( فن وفناني الثقافة الشعبية)، وهو عنوان وتعريف إشكالي لن أخوض في تفاصيله الآن؛ ولكن دعونا نعود إلى "الأدبيات الماركسية"، فمصطلح "الثقافة الشعبية"، جاء من مصطلح ألماني هو " كيتشا"، ويعني الشيء السطحي المبتذل، وقلة الذوق، ويمكن شرح هذا المصطلح بأنه : مزيج من مؤلفات جنائية وجنسية سفيهة لا أخلاقية وسينمائية، أضيفت إليها فيما بعد منتجات فن الجنس، وما ماثله من منتوجات صناعة التسلية والاستهلاك. إن "الثقافة الشعبية" ال " كيتشا " تغرس في وعي الإنسان عبادة السوبرمانات والنجوم على الموضة، صارفةً الوعي عن الحاجات الواقعية والأساسية للإنسان، ونرى مصداقية ذلك، وصحة رؤية الماركسية، فيما يسمى الفن الشعبي السطحي الذي يستغل الغرائز الجنسية من خلال الراقصات اللواتي يحطن بالمغني ويحمن حوله متمايلات متأوهات متمطيات كالبلهاوات، في الفيديو كليب، ناهيك عن الكلمات البذيئة والمبتذلة التي تبنى عليها الأغنية، والتي لا تعبر عن شيء سوى الإسفاف وازدراء القيم الإنسانية بشكل سافر؛ مؤكدة على ثقافة الاستهلاك الرخيص والبشع بغزارة الإنتاج وتنوع وجوه المطرين المفرَّخين بشكل دائم.! أخيراً أقول : إن مخاطر الانفتاح على الغرب ليس تعبيراً مني عن كره الغرب أو طلب الانغلاق عليه، لا. بل هو تعبير عن رغبتي وأملي في أن يكون هذا الانفتاح مضبوطاً ومنسجماً مع قيمنا وأخلاقنا الأصيلة، وألا يكون هذا الانفتاح على حساب أطفالنا وشبابنا الذين لا يعون مخاطره، وما يغزوهم عبره من أفكار ورؤىً مشوهة للحياة والعالم والإنسان؛ لا تؤدي في النتيجة إلا إلى الشرذمة والتفكك والانحلال، إن مجتمعاتنا مختلفة عن المجتمعات الغربية، لأنها تقع تحت وطأة جملةٍ من المؤثرات الاستهلاكية واللاأخلاقية التي يمكن أن تنأى بأجيالنا عن وعي وإدراك القيم الروحية اللامتناهية للفن والموسيقا؛ وتصبح المادة الفنية- الموسيقا – مرسخة للقيم السطحية والاستهلاكية والغرائزية والتشييئية، فتصبح هذه الأجيال إماءً للموضة الفارغة، وللنجوم من فنانينا الذين أصبح معظمهم – للأسف – مساهمين ومرسخين للعهر الفكري والفني واللاقيمي. سأردد أخيراً قول رجل المسرح السوري الكبير سعدالله ونوس- رحمه الله – :" نحن محكومون بالأمل."، وبدوري آمل أن تكون هذه الظواهر موجةً فيروسية تختبر مناعتنا. فهل نحن محصنون ضدها.؟.