بواسطة: ابراهيم بتاريخ : الأحد 28-06-2009 12:47 صباحا
الماركسية ليست حزباً سياسياً فقط، بل هي كذلك رؤية فلسفية ومنهج فكري، يستهدف مجتمعاً جديداً يكمل مشروع الحداثة من داخله. ويتحقق كل ذلك عبر صراعات متميّزة في جميع مستويات البنية الاجتماعية للوصول إلى الدولة الاشتراكية.
وقبل ذلك عبر الدولة العلمانية الديموقراطية، إذ تتعزّز من خلالها قيم المواطنة والديموقراطية والنقابات والانتخابات وغيرها من الممارسات التي تعزّز انتماء الفرد إلى الوطن، وكونه جزءاً من طبقة اجتماعية وتحالفات طبقية متمايزة في إطار مشروع الحداثة.
إن الماركسيين السوريين، بتعدّد أحزابهم وشخصياتهم المستقلة، فهموا المجتمع وفق ما رأيناه، ولم يكرّسوا فهماً يؤبّد العصبيات الطائفية أو العشائرية أو المناطقية أو التمييز على أساس الجنس أو اللون. ولكن هذا لا يعني وجود ممارسات حداثية بالكامل لدى هؤلاء. ومع ذلك فإن الماركسيين في سوريّة كانوا يناضلون من أجل هذه القضايا بالمعنى الفكري والثقافي العام، وأقصد بالتحديد أنّ الماركسية السوريّة جزء من تيار الحداثة العام في سورية. ولأنهم كذلك، فهم بالضرورة مع قانون أحوال شخصية حديث ومدني، وليسوا مع قانون يمايز بين المواطنين على أساس الدين أو المذهب أو الجنس. وربما كان لديهم رفض لقانون الأحوال الشخصية المعمول به، أما وقد طرحت إحدى الفصائل الماركسية موقفاً تجلى في مقالة منشورة بجريدة (النور) بعنوان (مشروع قانون الأحوال الشخصية...خطوات إلى الوراء) وهو موقف حداثي بامتياز ويرفض أي تمييز بين السوريين. وبالتالي، قياساً على هذا الموقف، يرفض الماركسيون في سورية هذا المشروع، ويعدّونه مشروعاً يعيد سورية أكثر من خمسين عاماً إلى الخلف. وبالتالي الموقف الصحيح ماركسياً هو: رفض هذا المشروع بالكامل لمناقضته لأسس الحداثة، ولمخالفته الواضحة لما حدث من تطورات في سورية، ولأنه يتعارض مع الاتفاقيات الدولية التي وقعتها سورية ولا سيما اتفاقيات حقوق الإنسان والمرأة والطفل وسواها. الماركسية على غرار الحداثة البرجوازية، تستهدف فصل سلطة الدين عن الدولة والسياسة، وعدم تسييس الدين، وتدعو إلى جعله شأناً خاصاً، كي تستطيع بناء الدولة الحديثة، التي هي بالضرورة دولة الكل الاجتماعي، حيث الأفراد متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات. الماركسية بتضمنها للعلمانية، ومنها قانون أحوال شخصية مدني، لا تحارب الدين، بل ترفض تدخل سلطة رجال الدين وتفسير الدين وتأويله وفقاً لهواهم، وتدعو إلى السماح الكامل بالحرية الدينية للأفراد وممارسة شؤونهم الدينية بما لا يتعارض مع حرية الأفراد في اختيار طريقة تشكيل الأسرة. وبالتالي فالإيمان بالعقائد شأن ذاتي للأفراد. ولذلك تعد العلمانية النظام السياسي الوحيد الذي يساوي بين الأفراد ويسمح لهم بتشكيل مؤسساتهم الخاصة الدينية، شريطة عدم فرضها على أحد، حتى على أفراد الطائفة ذاتها. ولذلك يصير على الماركسيين السوريين على اختلاف أحزابهم ومواقعهم الاجتماعية والثقافية، رفض مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، لما فيه من تمايزات دينية وجنسية ومذهبية وفرض لدينٍ على أديان أخرى، ولمذهب على مذاهب أخرى، وسيطرة للذكر على الأنثى بمفاهيم قروسطية، وذلك مرفوض جملة وتفصيلاً. فالمرأة، في المشروع حرمة، وممنوع عليها القيام بأي عمل إلا بعد موافقة الزوج، وفيه أيضاً ألفاظ لم تعد مقبولة حتى في الكلام الشفهي. كما يتضمن التمييز بين المؤمنين والمرتدين أو الذميين وأهل الكتاب وغير ذلك، وهي مفاهيم لم تكن يوماً من مفردات الماركسيين السوريين إلا من زاوية مقاومتها ورفضها. وكان السائد أنّ الأفراد ينتمون إلى طبقات وأحزاب ونقابات واتحادات، وكان العمل السياسي ينصب على الممارسات الأخيرة. وكانت الممارسات ولا تزال في إطار ما أشرنا إليه. وبالتالي كان يجب خوض نضال حاد من أجل العلمانية والمواطنة وقانون أحوال شخصية مدني، وضرورة إحداث تغييرات كبيرة في كل القوانين السوريّة بما يتلاءم مع الدستور ومع الاتفاقيات التي عقدتها الدولة في إطار المنظمات والهيئات الدولية استجابة لتطورات الواقع الموضوعي. إن الموقف منه يجب أن يكون حازماً نحو رفض مشروع القانون وتأكيد ضرورة تغيير القديم، ووضع مشروع جديد يستجيب كما أشرت لحاجات سورية الداخلية والتزاماتها الدولية. أي أن الموافقة على هذا المشروع أو حتى السكوت عنه هي موافقة على إعادة سورية إلى قرون خلت، وجعلها رهينة عقليات مضادة للحداثية ومناقضة لأبسط شروط العصر والتطور. وبالتالي لا يمكن الوصول إلى مجتمع جديد بأحوال شخصية بالية، وهذا ما يفترض بالضرورة قانون أحوال شخصية مدني لجميع المواطنين. أي أن العلمانية من وجهة نظر ماركسية تنظر إلى الأحوال الشخصية على أنها أحوال تنظيم لشؤون الأسرة السوريّة وفق قانون عام لجميع المواطنين، يساوي بينهم، ولا يمايز بينهم لصالح طائفة ضد طائفة ولا يغلب مذهباً على مذهب ولا ذكراً على أنثى، ولا مؤمناً على غير مؤمن. طرحت (النور) في مقالتها المشار إليها أعلاه، مثالب مشروع القانون، وتعارضه مع الاتفاقيات الدولية ومع حاجات التنمية. طرحاً سليماً، ويتطلب بالضرورة الاستناد إليه في ممارسات عملية مكثفة لإيقاف هذا المشروع، وربما بالتعاون مع جميع القوى الحداثية في سورية، ومن أي موقع حداثي أو غير حداثي، حتى يمكن إلغاؤه. إذن وجود قانون جديد ضرورة أكيدة، شريطة أن يجمع ولا يفرق، يوحد ولا يذرر، يعزّز الكل الاجتماعي ولا يحوله إلى طوائف ومذاهب وملل وغير ذلك. ويتطلب الأمر بالضرورة العمل على صياغة قانون جديد للأسرة السوريّة، ولمَ لا يكون متجاوزاً لقانون الأحوال الشخصية حتى في المغرب أو تونس؟ أفلا تستحق سورية أن تكون في وضع عربي أفضل؟ ويمكن للمفكرين والمثقفين على اختلاف تياراتهم الفكرية أن يساهموا فيه، شريطة أن يكون قانون أحوال شخصية مدنياً ومساوياً بين الأفراد أمام القانون، بغض النظر عن الملل والنحل.